فخر الدين الرازي
191
الأربعين في أصول الدين
قال عمر رضي الله عنه : « لو قدمت الاسلام لأعطيتك » ولما كتبوا كتاب الصلح بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين المشركين ، وقع التنازع في تقديم الاسم ، وهذا يدل على أن التقديم في الذكر ، يدل على مزيد الشرف والفضل . وإذا ثبت أنه كذلك في العرف ، وجب أن يكون في الشرع كذلك . لقوله عليه السلام : « ما رآه المسلمون حسنا ، فهو عند الله حسن » . الحجة الثانية عشر : الملك أعلم من البشر ، والأعلم أفضل . انما قلنا : انه أعلم : لأن جبريل . كان معلما لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بدليل قوله تعالى : « عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى » ( النجم 5 ) والمعلم لا بد أن يكون أعلم من المتعلم . وأيضا : فالعلوم قسمان عقلية ونقلية . أما العقلية : فمنها ما هو واجب ، كالعلم بذات الله وصفاته ، ولا يجوز وقوع التقصير فيها للملائكة وللأنبياء ومنها ما ليس بواجب ، وهو كالعلم بكيفية مخلوقات الله وما فيها من العجائب كالعلم بأحوال العرش والكرسي واللوح والقلم والجنة والنار وأطباق السماوات وأصناف الملائكة وأنواع الحيوانات في المفاوز والجبال والبحار ، ولا شك أن جبريل عليه السلام أعرف بها ، لأنه أطول عمرا ، وأكثر مشاهدة لها ، فكان علمه بها أكثر وأكمل . وأما العلوم النقلية التي لا تعرف الا بالوحي : فهي لم تحصل لمحمد عليه السلام ، ولا لسائر الأنبياء ، الا من جهة جبريل عليه السلام فيستحيل أن يكون لمحمد فيها فضيلة على جبريل . وأما جبريل عليه السلام فإنه كان هو الواسطة بين الله تعالى وبين جميع الأنبياء فهو عالم بكل الشرائع الماضية والحاضرة . وهو أيضا : عالم بشرائع الملائكة وتكاليفهم ، ومحمد عليه السلام ما كان عالما بشيء من ذلك . فثبت : أن جبريل أعلم من محمد - عليهما السلام - فوجب أن يكون أفضل منه . لقوله تعالى : « هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ ، وَالَّذِينَ